محمد ابو زهره

849

خاتم النبيين ( ص )

اتجه خالد إلى الانحياز تمهيدا لانسحاب منظم ، وفي هذا الوقت ابتدأت قوات الروم بتخاذل بعضها من العرب ، وبعضهم انضم إلى خالد عند انسحابه . يحكى ابن إسحاق أنه كان من حدس كاهنة ، حين سمعت بجيش النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مقبلا ، قالت لقومها من حدس ، قالت لهم أنذركم قوما خرزا ( أي مبصرون مدركون ) ينظرون شزرا ، ويقودون الخيل تترى ، ويهريقون دما عكرا . فأخذوا بقولها واعتزلوا من بنى لخم ، وكان من الذين صلوا الحرب يومئذ بنو ثعلبة ، فلما انصرف خالد بالناس انصرفوا معه وعادوا قافلين إلى أرضهم . فالجيش الروماني ، لم يكن متماسكا ، وإن كان كثير العدد ، لتعدد الأجناس فيه ، فلم تغن كثرتهم عنهم شيئا ، ونجا المسلمون منهم ، ونجواهم بأنفسهم ، وإن جرحوا جرحا شديدا . عندما رأى خالد كثرة الكافرين ، كما ذكرنا ، أخذ يبدل في مواقف جيشه ، فجعل الميمنة ميسرة ، والميسرة ميمنة ، والصدر خلفا والخلف صدرا فظنوا أنه قد جاءه المدد ، فلهذا أنزل اللّه تعالى في قلوبهم الرعب من لقاء المسلمين فاثروا النجاة بأنفسهم ، ولم يتبعوا جيش المسلمين في تراجعهم ، ورضوا من الغنيمة بالإياب ، وأخذ خالد بجيش الإيمان ، حتى عاد إلى المدينة المنورة سالما به ، لم يفقد في هذه المعركة إلا اثنى عشر قتيلا منهم الأمراء الثلاثة زيد بن حارثة ، وجعفر ، وعبد اللّه بن رواحة رضى اللّه تعالى عنهم جميعا ، وتسعة معهم ، فكان عدد القتلى اثنى عشر قتيلا . ولكن لم يتعود أهل المدينة المنورة أن تعود إليهم جنودهم من المعركة ، حتى في أحد بقيادة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . وقد نال المشركون منهم نيلا وجراحا فلم يعد الجنود من المعركة فارين أو شبه فارين ، بل كان الجمع الذي أصيب بالجراح قد أخذ يكر وراء المشركين كرا ، وتبعهم إلى حمراء الأسد راجعين فارين من تجدد اللقاء ، ورضوا بالإياب . لم يعجب أهل المدينة المنورة صنيع الجيش الذي قاده القائد المدرك بالانحياز ثم الانسحاب ، لأنهم لم يتعودوه ، وسموهم الفرارين ، وأخذ الصبيان يحثون التراب على وجوههم ، وقد خرج إليهم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم مستقبلا فأمر بتنحية الصبيان إلا أولاد جعفر بن أبي طالب فضمهم إليه ، وقال إنهم الكرارون ، أو العكارون ، كما جاء في بعض الصحاح والسنة ، وسماهم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم متحيزين إلى فئة ، فهو فئة المسلمين ، وكان ذلك تطبيقا لقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا